لغز الأيض: لماذا يأكل البعض ولا يسمنون بينما يفشل الدايت مع آخرين؟

Beyond Calories: Why Some Eat More and Stay Thin While Others Struggle

"إن أجسادنا ليست مجرد أوعية للسعرات الحرارية، بل هي مختبرات كيميائية حيوية معقدة، حيث لا تتساوى فيها الأرقام دائماً."

المقدمة: هل تشعر بالظلم الغذائي؟

تخيل هذا الموقف: أنت تجلس في مطعم مع صديقك "النحيف بالفطرة". هو يطلب البرجر المزدوج والبطاطس المقلية ويختمها بقطعة حلوى، بينما تكتفي أنت بسلطة خضراء وصدر دجاج مشوي. ومع ذلك، يستيقظ هو في الصباح بوزن أقل، بينما تشعر أنت أن مجرد "شم رائحة الخبز" قد زاد من وزنك كيلوجراماً كاملاً!

أعلم تماماً ما تشعر به؛ إنه الإحباط. لكن قبل أن تلوم إرادتك أو تظن أن جسدك يعاندك، دعني أخبرك بسير: العلم لديه إجابات مذهلة تتجاوز معادلة "السعرات الداخلة مقابل الخارجة". هل أنت مستعد لاكتشاف لماذا يعمل جسمك بالطريقة التي يعمل بها؟

لكن، هل فكرت يوماً أن الأمعاء قد تكون هي المحرك السري خلف هذه الفوارق؟

أولاً: فك شفرة المصطلحات (ببساطة)

قبل أن نغوص في التفاصيل، دعنا نتفق على بعض المفاهيم التي ستغير نظرتك لجسدك:

  • معدل الأيض الأساسي (BMR): هو كمية الطاقة التي يحرقها جسمك وأنت مستلقٍ على الأريكة دون فعل أي شيء، فقط لتبقى أعضاؤك تعمل.
  • التوليد الحراري للنشاط غير الرياضي (NEAT): هي السعرات التي تحرقها عبر حركات بسيطة لا تعتبرها "رياضة"، مثل التململ، الوقوف، أو حتى الكتابة على لوحة المفاتيح.
  • ميكروبيوم الأمعاء (Gut Microbiome): تريليونات البكتيريا التي تعيش في أمعائك وتحدد كيف يمتص جسمك الطاقة من الغذاء.

هل تعلم أن هذه البكتيريا الصغيرة قد "تسرق" منك سعراتك أو "تخزنها" رغماً عنك؟

ثانياً: التحليل متعدد المنظورات.. لماذا نختلف؟

1. المنظور البيولوجي والجيني (ما ورثته في خلاياك)

تشير الدراسات الحديثة، مثل دراسة Riveros-McKay (2019)، إلى أن "النحافة الشديدة" هي صفة وراثية قوية تماماً مثل السمنة. بعض الناس يمتلكون ما يسمى بـ "الجينات المقتصدة" التي برمجت أجسادهم قديماً لتخزين الدهون كآلية للنجاة من المجاعات. إذا كنت تمتلك هذه الجينات، فجسمك ببساطة "كفء جداً" في الاحتفاظ بالطاقة.

علاوة على ذلك، هناك ما يسمى بـ نقطة التوازن (Set Point)؛ وهو الوزن الذي يحاول دماغك الدفاع عنه بكل قوته. عندما تبدأ حمية قاسية، يرسل دماغك إشارات لتبطئ الحرق حفاظاً على حياتك.

ولكن ماذا لو أخبرتك أن سر نحافة صديقك ليس في جيناته فقط، بل في حركاته اللاإرادية؟

2. المنظور الكيميائي الحيوي (لغز الحرق الصامت)

هنا تبرز دراسة Levine (1999) الشهيرة حول الـ NEAT. وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يقاومون زيادة الوزن هم من يرفعون استهلاكهم للطاقة تلقائياً من خلال حركات بسيطة عند تناول طعام زائد. هؤلاء الأشخاص قد يحرقون ما يصل إلى 350-700 سعرة إضافية يومياً دون دخول صالة الألعاب الرياضية!

أضف إلى ذلك دور "بكتيريا الأمعاء". كما وضحت دراسة DiBaise (2008)، فإن الأشخاص الذين يعانون من السمنة لديهم نسبة أعلى من بكتيريا "Firmicutes" التي تستخلص سعرات حرارية أكثر من نفس الوجبة مقارنة بالأشخاص النحفاء.

إذاً، الأمر ليس مجرد "أكل"، بل "امتصاص".. فهل يمكن للتوتر أن يعطل كل هذه الكيمياء؟

3. المنظور النفسي والاجتماعي (أثر الكورتيزول)

أنت تتبع حمية، لكنك متوتر طوال الوقت؟ مبروك، أنت تفرز "الكورتيزول". هذا الهرمون يخبر جسمك بوضوح: "نحن في خطر، قم بتخزين الدهون في منطقة البطن فوراً!". البيئة المحيطة والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالوزن تزيد من هذا الضغط النفسي، مما يخلق حلقة مفرغة من ثبات الوزن رغم قلة الأكل.

ما رأيك أن نرى كيف يترجم هذا العلم في أرض الواقع؟

دراسة حالة: لغز "أحمد" و"سارة"

الميزة أحمد (نحيف رغم الأكل) سارة (بدينة رغم الحمية)
معدل الـ NEAT مرتفع (كثير الحركة والتململ) منخفض (هادئة، عمل مكتبي)
بكتيريا الأمعاء تنوع عالي (امتصاص أقل للسعرات) تنوع منخفض (استخلاص طاقة مكثف)
التاريخ الوراثي عائلة نحيفة (جينات حرق سريعة) تاريخ من "اليويو دايت" (أيد متكيف)

النتيجة: أحمد يحرق الطاقة الزائدة كحرارة، بينما جسم سارة يقوم بـ "التكيف الأيضي" (Metabolic Adaptation) لحماية مخزونها من الطاقة، مما يجعل فقدان الوزن لديها عملية بطيئة ومعقدة كما وصفها Hall (2024) في أبحاثه عن ثبات الوزن.

الخاتمة: خارطة الطريق لجسدك

في النهاية، يجب أن تدرك أنك لست "فاشلاً" في الحمية، بل قد يكون جسمك ببساطة ذكياً جداً في الحفاظ على طاقته. الحل ليس في الحرمان المطلق، بل في فهم لغة جسدك الحيوية.

توصيات عملية لك:

  • ارفع الـ NEAT: لا تركز فقط على الساعة التي تقضيها في الجيم، بل حاول المشي أثناء المكالمات الهاتفية واستخدم الدرج بدلاً من المصعد.
  • اهتم بأمعائك: تناول الألياف والمخممرات الطبيعية (مثل الزبادي) لتحسين تنوع البكتيريا في أمعائك.
  • جودة النوم: النوم لأقل من 7 ساعات يدمر حساسية الأنسولين ويجعلك تخزن الدهون مهما قللت من أكلك.
  • توقف عن "تجويع" نفسك: الحميات القاسية جداً تؤدي لنتائج عكسية وتجعل جسمك يتمسك بالدهون أكثر.

تذكر دائماً، رحلتك الصحية هي "ماراثون" وليست سباقاً قصيراً. ابدأ بالعمل مع بيولوجيا جسدك، وليس ضدها.


المراجع (References):

  • Levine, J. A., et al. (1999). Role of Nonexercise Activity Thermogenesis in Resistance to Fat Gain in Humans. Science.
  • DiBaise, J. K., et al. (2008). Gut Microbiota and Its Possible Relationship With Obesity. Mayo Clinic Proceedings.
  • Riveros-McKay, F., et al. (2019). Genetic architecture of human thinness compared to severe obesity. PLOS Genetics.
  • Hall, K. D. (2024). Physiology of the weight-loss plateau in response to diet restriction. Obesity Journal.

© Manajmnt

شارك على :

تعليقات