لماذا نضحك بشكل هستيري في المواقف الرسمية ؟ تعرف على السر في علم النفس

English: The Science of Nervous Laughter: Why We Laugh at Things That Aren't Funny.

"الضحك هو المسكن الوحيد الذي لا يحتاج إلى وصفة طبية، لكنه أحياناً يصف نفسه في الوقت الخطأ تماماً."

عندما ينفجر الضحك وسط الدموع

تخيل أنك تقف في جنازة مهيبة، الصمت يخيم على المكان، وفجأة.. تشعر بدغدغة غريبة في صدرك، تبدأ في الابتسام، ثم تتحول الابتسامة إلى ضحكة مكتومة، وفجأة تنفجر في نوبة ضحك هستيري لا يمكنك السيطرة عليها. الجميع ينظر إليك بذهول، وأنت تشعر برغبة عارمة في انشقاق الأرض وابتلاعك. هل حدث لك شيء مشابه من قبل؟ هل تساءلت يوماً: هل أنا مجنون؟ أم أن عقلي يمزح معي في أسوأ وقت ممكن؟

الحقيقة أنك لست وحدك، ولست بالضرورة "مجنوناً". ما تمر به هو ظاهرة علمية معقدة تجمع بين "الأسلاك" المتشابكة في دماغك وبين وسائلك الدفاعية النفسية المبتكرة. لكن، هل سألت نفسك يوماً كيف يمكن للضحك، وهو رمز الفرح، أن يصبح سلاحاً يشهره جسدك في وجه التوتر؟

أولاً: تشريح "نوبة" الضحك.. ماذا يحدث خلف الكواليس؟

قبل أن نطلق الأحكام، علينا أن نفهم أن الضحك ليس مجرد تعبير عن السعادة. علمياً، يعتبر الضحك ظاهرة "نفسية-جسدية" (Psycho-somatic)، تماماً مثل البكاء والتثاؤب. هناك نوعان رئيسيان للضحك في هذه المواقف:

  • الضحك التلقائي (Spontaneous): وهو الذي يحدث دون مجهود واعٍ نتيجة لمحفزات معينة.
  • الضحك القسري (Forced): وهو نتاج فعل إرادي، وغالباً ما يعمل كآلية دفاع نفسية (Defense-mechanism) لمواجهة التهديدات أو المواقف غير المريحة.

ولكن، ماذا لو كان هذا الضحك ليس مجرد "توتر"، بل "خلل تقني" في الدماغ؟

ثانياً: المنظور العصبي.. هل دماغك "راديو" معطل؟

في الطب، هناك حالة تُعرف باسم "التأثر البصلي الكاذب" (Pseudobulbar Affect - PBA). في هذه الحالة، يواجه الشخص نوبات مفاجئة وغير منضبطة من الضحك أو البكاء. المثير للدهشة أن هذه الانفعالات قد لا تتطابق مع ما يشعر به الشخص فعلياً؛ فقد يبكي وهو ليس حزيناً، أو يضحك في موقف مأساوي.

يمكن تشبيه الأمر بجهاز "راديو" تعطل فيه زر التحكم في الصوت؛ فبدلاً من أن يبث الدماغ إشارات هادئة تتناسب مع الموقف، يقوم بإرسال إشارات "صاخبة" ومنفجرة من الضحك نتيجة لخلل في التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة. كما يرى العالم "هيربرت سبنسر" أن الضحك قد يكون مجرد وسيلة لتصريف "الفائض من الطاقة العصبية" التي لم تجد مكاناً آخر تذهب إليه.

ولكن، إذا لم يكن الأمر طبياً بحتاً، فما هو التفسير النفسي الذي يجعلنا "نستمتع" بالضحك في عز الألم؟

ثالثاً: المنظور السيكولوجي.. الضحك كدرع واقي

يرى علماء النفس، ومنهم "ويليام مكدوغال"، أن الضحك هو آلية غريزية تحول أنواعاً معينة من الألم أو "المآسي البسيطة" إلى متعة؛ وذلك لمنعنا من الانغماس الكلي في الحزن أو الضيق. إنه بمثابة "ترياق" للتعاطف الزائد الذي قد يؤدي بنا إلى الانهيار.

عندما نضحك "ضحكاً عصبياً" (Nervous Laughter) في موقف محرج، مثل الوقوف أمام جمهور، فإن عقلنا الباطن قد يرى هذا الجمهور كـ "عدو" محتمل. وبما أننا لا نستطيع الهرب (فعل الكر أو الفر)، فإن الطاقة العصبية المتراكمة تنفجر على شكل ضحك غير مبرر لتخفيف التوتر.

هل بدأت الصورة تتضح الآن؟ دعنا نلقي نظرة على مثال حي من الواقع لنرى كيف يتجلى هذا بوضوح.

دراسة حالة: المتحدث الذي "أضحكه" الرعب

"سارة"، طالبة جامعية متفوقة، كان عليها إلقاء عرض تقديمي أمام لجنة من الأساتذة. بمجرد صعودها على المنصة وشعورها بنظرات الجميع، بدأت تشعر بتوتر حاد. بدلاً من التعرق أو الرجفة، بدأت سارة في "القهقهة" كلما طرح عليها أستاذ سؤالاً جاداً.

بتحليل حالتها، لم تكن سارة تستهزئ باللجنة، بل كان جهازها العصبي يعاني من "تراكم فجائي" للطاقة العصبية. بما أن الهرب من القاعة كان مستحيلاً، اختار عقلها تصريف هذه الطاقة عبر عضلات الوجه والجهاز التنفسي. لقد كان ضحكها "آلية دفاع" نفسية لحمايتها من الانهيار التام تحت الضغط.

رابعاً: البعد الاجتماعي.. هل نحن مجانين فعلاً؟

الإجابة القاطعة هي: لا. في أغلب الحالات، الضحك في المواقف غير المناسبة هو دليل على "فرط حساسية" جهازك العصبي وليس خللاً عقلياً. المجتمع غالباً ما يسيء فهم هذه النوبات ويصمها بالجنون أو قلة الاحترام، ولكن العلم يخبرنا أنها استجابة بشرية طبيعية جداً لمواقف "غير طبيعية".

هذا النوع من الضحك قد يكون أيضاً نتاجاً لتغيرات هرمونية، مثل ما يحدث لدى المراهقين، حيث يؤدي تراكم الهرمونات إلى نوبات ضحك "على لا شيء". فهل تعتقد الآن أنك ستنظر لنفسك (أو للآخرين) بنفس الطريقة في المرة القادمة التي ينفجر فيها الضحك في الوقت الخطأ؟

الخاتمة والتوصيات: كيف تروض "ضحكتك" المتمردة؟

باختصار، الضحك الهستيري في الأوقات غير المناسبة هو رسالة من جسدك يخبرك فيها أنه "مضغوط جداً" ويحتاج لتفريغ هذه الشحنة. إليك بعض النصائح العملية للسيطرة على هذه النوبات:

  • تغيير التركيز: حاول التفكير في شيء ممل أو تقني جداً (مثل جدول الضرب) لتشتيت ذهنك عن الموقف المسبب للضحك.
  • تقنيات التنفس: خذ أنفاساً عميقة وبطيئة؛ فالضحك يعتمد على زفير متقطع، والتنفس العميق يكسر هذه الدورة.
  • الاعتراف بالموقف: إذا كنت في موقف اجتماعي، يمكنك ببساطة قول: "أعتذر، أنا أضحك عندما أتوتر"، فهذا يقلل من حدة الإحراج ويهدئ أعصابك.
  • استشارة المختصين: إذا كانت هذه النوبات تتكرر بشكل لا إرادي ودون سبب واضح، فقد يكون من المفيد استشارة طبيب لاستبعاد حالات مثل PBA.

تذكر دائماً، أن جسدك يحاول حمايتك بطريقته الخاصة، حتى لو كانت تلك الطريقة هي "قهقهة" في وسط جنازة!

المراجع والمصادر

  • Burkill, T. A. (1971). The Causes of Laughter. The Central African Journal of Medicine.
  • Massachusetts General Hospital. Communication about Pseudo-Bulbar Affect and Frontotemporal Dementia. ALS PACT Program.
  • Hsu, T. W., et al. (2021). Social Media Users and Cultural Values of Affect. American Psychological Association.
  • Roether, C. L. (2011). The Expression of Emotions through Full-body Movement. Dissertation, University of Tübingen.

© Manajmnt

شارك على :

تعليقات