خوارزميات التفاهة: هل تبرمجنا التكنولوجيا لنصبح أقل ذكاءً؟
The Algorithm of Banality: Is Technology Re-engineering the Human Intellect?
"إن التافهين قد حسموا المعركة، لا لذكائهم، بل لأنهم كثُر، ولأن النظام العالمي الحالي يحتاج إلى التسطيح لضمان الاستهلاك." — مستوحى من فكر آلان دونو
خوارزميات التفاهة: هل تبرمجنا التكنولوجيا لنصبح أقل ذكاءً؟
هل سبق لك أن فتحت هاتفك لترد على رسالة مهمة، لتجد نفسك بعد ساعة كاملة غارقاً في مقاطع فيديو لقطط ترقص أو تحديات غريبة لا معنى لها؟ أنت لست ضعيف الإرادة، بل أنت ضحية لواحد من أعظم الأنظمة الهندسية في التاريخ: اقتصاد الانتباه (Attention Economy). في هذا المقال، سنغوص معاً في "ثقب الديدان" الرقمي لنكتشف كيف تحولت الخوارزميات من أدوات مساعدة إلى مصانع لإنتاج ما نسميه "صناعة التفاهة".
أولاً: ما هي "صناعة التفاهة" في العصر الرقمي؟
عندما نتحدث عن التفاهة بأسلوب أكاديمي، فنحن لا نقصد "المرح" أو "الترفيه"، بل نقصد "التسطيح". هو نظام يُعلي من شأن "الانتشار" على حساب "العمق". في علم الاجتماع الرقمي، يتم استبدال القيمة المعرفية بما يسمى "المقاييس الزائفة" (Vanity Metrics) مثل عدد الإعجابات والمشاركات.
- إعادة تعريف القيمة: المحتوى الجيد ليس هو الذي يجعلك تفكر، بل هو الذي يمنعك من إغلاق التطبيق.
- تآكل الهوية الثقافية: الخوارزميات تدفعنا نحو "ثقافة عالمية موحدة" تعتمد على المثيرات البصرية السريعة بدلاً من المحتوى المحلي العميق.
- سيكولوجية الحشود: العقل البشري يميل غريزياً لتجنب الإجهاد المعرفي، والخوارزميات تعرف ذلك جيداً؛ لذا تقدم لك ما هو "أبسط" لتضمن بقاءك.
لكن، هل فكرت يوماً في "الكود" البرمجي الذي يجعل هذا التسطيح ممكناً؟
ثانياً: هندسة التفضيل.. كيف "يفكر" الخوارزمي؟
الخوارزميات ليست مجرد أسطر برمجية محايدة، بل هي "هندسة اجتماعية" تهدف لتعظيم الربح. تشير الدراسات الاقتصادية (مثل تقرير Trésor-Economics المرفوع) إلى أن هذه المنصات تعتمد على نماذج أعمال تبيع "انتباهك" للمعلنين. ولكي تضمن بقاءك، يجب أن تخفض "الجهد المعرفي" (Cognitive Load) إلى أدنى مستوياته.
| الميزة التقنية | التأثير السيكولوجي |
|---|---|
| خوارزميات التوصية | خلق "غرف صدى" تعزز التحيزات السطحية. |
| حلقات الدوبامين | الإدمان على المكافأة السريعة (لايك، تعليق). |
| التمرير اللانهائي | إلغاء "نقاط التوقف" الطبيعية في العقل. |
الخوارزمية تلاحظ أنك تقضي وقتاً أطول في مشاهدة محتوى تافه مقارنة بمحاضرة علمية، ليس لأنك تافه، بل لأن المحاضرة تتطلب مجهوداً ذهنياً لا ترغب المنصة في أن تبذله، لكي لا تشعر بالتعب وتغادر. فهل نحن أمام عملية "تسطيح" متعمدة لعقولنا؟
دراسة حالة: تأثير "الفيديوهات القصيرة" (Short-form Video)
تشير الأبحاث الحديثة حول سلوك المستخدمين الرقميين (مثل دراسة JASISPOL المرفقة) إلى أن التحول نحو المقاطع التي لا تتجاوز 15 ثانية أدى إلى ما يسمى "قصر مدى الانتباه". المستخدم يمر بحالة من "الفقدان الاختياري للتركيز"، حيث يبحث العقل عن "هزة" عاطفية أو كوميدية سريعة كل بضع ثوانٍ. هذا النمط يعيد برمجة الدماغ ليجد صعوبة في قراءة نص طويل أو مشاهدة فيلم وثائقي رصين، مما يؤدي إلى تراجع القدرة على "القراءة العميقة" (Deep Reading) التي كانت تميز العصور السابقة.
إذا كان هذا هو واقعنا اليوم، فما هو الأثر الحقيقي الذي يتركه هذا التسطيح على مستقبلنا؟
ثالثاً: تقييم الأثر.. هل ندفع ثمن التفاهة من إنتاجيتنا؟
الأمر لا يتوقف عند ضياع الوقت. تكشف الوثائق الاقتصادية (مثل دراسة "The Attention Economy in the Digital Age") أن هناك "آثاراً خارجية سلبية" (Negative Externalities) تؤثر على الناتج المحلي الإجمالي للدول.
- تراجع الإنتاجية: التشتت الدائم يقلل من جودة العمل والابتكار.
- الاستقطاب الاجتماعي: المحتوى السطحي يميل دائماً للتطرف (أسود أو أبيض) لأنه يثير العواطف بسرعة، مما يدمر لغة الحوار المعقدة.
- الأمية الرقمية الوظيفية: نحن نستخدم التكنولوجيا، لكننا نفقد القدرة على فهم "كيفية" عملها أو نقد المحتوى الذي تقدمه لنا.
هل تعتقد أنك تمتلك الحصانة الكافية لمواجهة هذا السيل الجارف؟
الخاتمة: كيف تستعيد "سيادتك المعرفية"؟
لقد صُممت الخوارزميات لتكون أذكى من غرائزنا البدائية، لكنها ليست أذكى من وعينا الواعي. "صناعة التفاهة" ستستمر طالما ظل "الانتباه" هو العملة الأغلى في السوق. لذا، إليك بعض النصائح العملية المستخلصة من الدراسات:
- فرض "نقاط توقف": استخدم تطبيقات تحدد وقتك على منصات التواصل.
- تنويع المصادر: ابحث يدوياً عن المحتوى المعقد؛ لا تنتظر أن تقترحه الخوارزمية عليك.
- التدريب على التركيز: خصص وقتاً يومياً للقراءة الورقية أو الاستماع لبودكاست طويل دون مقاطعة.
في النهاية، الخوارزمية هي مرآة لخياراتك، فإذا بدأت في اختيار "العمق"، ستضطر هي الأخرى لتغيير ما تقدمه لك. السؤال الآن: ما هو أول شيء ستبحث عنه بعد إغلاق هذا المقال؟
المراجع (المستندة إلى الملفات البحثية):
- Chardon-Boucaud, S. (2025). The Attention Economy in the Digital Age. Trésor-Economics No. 369.
- Latif, A. T., & Jawahir, M. (2025). Digital Men and Social Media: Unpacking the Reasons Behind Scrolling. JASISPOL.
- Nel, M. J. (2025). The hermeneutical challenge of reading digital texts. HTS Teologiese Studies.
- Chaami, A. (2025). AI Dependence and the Paradigm of Shifting to Algorithms. JSLCS.
© Manajmnt

تعليقات