بين نبل الماضي وقبح الحاضر.. ما الذي أصاب الدراما السورية؟

بين نبل الماضي وقبح الحاضر.. ما الذي أصاب الدراما السورية؟
جدول المحتويات

    Between the nobility of the past and the ugliness of the present... what has befallen Syrian drama?

    هل تتذكرون عندما كانت العائلة السورية تجتمع لمشاهدة "الفصول الأربعة" أو "التغريبة الفلسطينية"؟ تلك الأعمال التي كانت تشبهنا، وتتحدث بلساننا، وتدخل بيوتنا دون استئذان لأنها مرآة لواقعنا. اليوم، نفتح التلفاز فنجد قصوراً فارهة لا نعرفها، ووجوهاً "بلاستيكية" لم نعهدها، وصراعات طبقية لا تنتمي لشارعنا السوري. فكيف تحول "الفن الهادف" إلى مجرد "سلعة تجارية" تحاكي الغريب وتنسى القريب؟

    أولاً: مفاهيم أكاديمية لفهم الأزمة

    قبل الدخول في التفاصيل، دعونا نشرح بعض المصطلحات التي تفسر ما يحدث في الكواليس:

    • تلفزيون الجودة (Quality Television): هو الفن الذي يقدم محتوىً عميقاً، وشخصيات معقدة، ورسائل اجتماعية ترفع من "رأس المال الثقافي" للمشاهد. (كما ذكرت دراسة ساني فيرهوف، 2022).
    • القوة الناعمة (Soft Power): هي قدرة الدولة على التأثير عبر الثقافة والفن بدلاً من السلاح. تركيا استخدمت مسلسلاتها (Diziler) كقوة ناعمة لاختراق العقل العربي. (دراسة جانا جبور، 2023).
    • تسليع الفن (Commodification of Art): هو تحويل العمل الفني من "قيمة إبداعية" إلى "منتج استهلاكي" يهدف للربح المادي السريع فقط، بغض النظر عن جودته.

    ثانياً: العصر الذهبي.. عندما كانت الدراما "رسالة"

    في مطلع الألفينات، كانت الدراما السورية في أوج عطائها. لم تكن مجرد تسلية. كانت "مشروعاً تنويرياً".

    الأعمال مثل "الفوارس، الخوالي، ليالي الصالحية، مريا..." نجحت لأنها ركزت على الهوية والقيم. كانت تعتمد على "المعايشة" لا "التكلف". الممثل السوري حينها كان يُعرف بأكاديميته وقدرته على تجسيد الشخصية بصدق. هذا التميز خلق ما يسمى بـ "رأس المال الثقافي"، حيث شعر المشاهد أن ما يتابعه يضيف لعقله وروحه.

    ثالثاً: فخ الدبلجة.. السلاح ذو الحدين

    كان للسوريين الفضل في نشر الدراما التركية عبر "الدبلجة". استخدموا لهجتهم المحببة لتكون جسراً عبرت من خلاله المسلسلات التركية إلى كل بيت عربي. (مصدر: منصة ونبقى، 2026).

    لكن هذا النجاح كان بداية النهاية. الجمهور انجذب للمناظر الخلابة والقصص الرومانسية البسيطة. المنتج العربي، بدلاً من تطوير أدواته، اختار الطريق الأسهل: المحاكاة. بدأنا نرى محاولات سورية لتقليد "النمط التركي" في الإخراج، والديكور، وحتى في برود المشاعر. هذا التقليد فشل لأن الدراما التركية تعبر عن بيئة مختلفة وقيم علمانية واقتصادية تختلف عن واقع المجتمع السوري الغارق في أزماته.

    رابعاً: "فن الاصطناع" وغزو المؤثرين

    أخطر ما يواجه الدراما اليوم هو دخول "عارضات الأزياء" و"المؤثرين" (Influencers) إلى ساحة التمثيل. (دراسة خاري وتيواني، 2025).

    المنتجون صاروا يبحثون عن "عدد المتابعين" بدلاً من "الموهبة". النتيجة كانت دراما سطحية تعتمد على:

    • التكلف الدرامي: أداء باهت يعتمد على الشكل الخارجي والملابس الفاخرة.
    • غياب الهوية: الشخصيات تبدو وكأنها تعيش في "فقاعة" معزولة عن الفقر أو المعاناة أو القيم السورية الأصيلة.
    • انحلال الرسالة: استبدال القضايا الكبرى (مثل الحرية، العدالة، العائلة) بقضايا تافهة تثير الجدل فقط لجلب الإعلانات.

    خامساً: لماذا فشلنا في التقليد؟

    المحاكاة دائماً ما تخرج بصورة مشوهة. الدراما التركية تنجح في بيئتها لأنها تعكس صراعاً ثقافياً داخلياً لديهم. أما الدراما السورية التي تحاول "التتريك"، فهي تفقد بوصلتها. المشاهد السوري يبحث عن نفسه في الشاشة، فإذا وجد "نسخة باهتة" من مسلسل تركي، سيفضل مشاهدة الأصل ويترك التقليد.

    سادساً: الخاتمة.. العودة إلى الجذور

    إنقاذ الدراما السورية لا يكون بزيادة ميزانية الديكور أو استقطاب مشاهير التيك توك. الإنقاذ يبدأ بالعودة إلى "الإنسان السوري". الفن الذي لا يحمل رسالة هو ضجيج لا يدوم. نحتاج إلى نصوص تشبه أزقة دمشق وريف حلب، وإلى ممثلين يدركون أن الفن هو "رسالة" قبل أن يكون "تجارة".

    تعليقات