التخلف: خيار سياسي أم قدر اجتماعي؟

التخلف: خيار سياسي أم قدر اجتماعي؟
جدول المحتويات

    Is Underdevelopment a State Policy or a Social Habit

    "تخيل شخصاً أمضى 16 عاماً في مقاعد الدراسة، يحمل شهادة جامعية بختم نسر لامع، لكنه يقف عاجزاً أمام فهم مقال في صحيفة أو كتابة رسالة وظيفية خالية من الأخطاء البدائية.. هل هذا الشخص 'متعلم' حقاً؟ أم أنه ضحية عملية 'تجهيل' منظمة؟"

    هذا السؤال ليس مجرد شكوى عابرة، بل هو صلب "أزمة التعلم" (Learning Crisis) التي تضرب المجتمعات النامية. نحن اليوم أمام معضلة حقيقية: هل التخلف الذي نعيشه هو "ظاهرة اجتماعية" ناتجة عن كسل الشعوب، أم أنه "سياسة حكومية" مدروسة تهدف لإنتاج جيل يقرأ ويكتب، لكنه لا يفكر؟

    1. المنظور السياسي: التجهيل كفن لإدارة الدولة

    في الأوساط الأكاديمية، هناك مصطلح يسمى الأجنوتولوجيا (Agnotology)، وهو علم دراسة "صناعة الجهل". الفكرة هنا ليست أن الحكومة "تمنع" التعليم، بل أنها توفر تعليماً "سطحياً" يركز على القشور.

    الهدف السياسي من "التجهيل بالتجهيز" (أي توفير مدارس ومباني دون محتوى حقيقي) هو خلق ما يسمى بـ "الأمية الوظيفية" (Functional Illiteracy). هؤلاء الأفراد يعرفون الحروف، لكنهم يفتقرون لمهارات التفكير النقدي التي قد تجعلهم يطالبون بحقوقهم أو يحللون السياسات العامة. التعليم هنا يتحول من أداة تحرر إلى أداة "ضبط اجتماعي" (Social Control)، تماماً كما ناقش جون ديوي في نظرياته، حيث يتم توجيه الأفراد ليكونوا "تروساً" مطيعة في آلة الدولة، لا مواطنين فاعلين.

    2. المنظور الاجتماعي: فخ "الشهادة الورقية"

    بعيداً عن السياسة، المجتمع نفسه يساهم في هذه الجريمة. نحن نعيش ما يسمى بـ "التضخم الأكاديمي" (Credentialism). في مجتمعاتنا، لم يعد المهم هو "ماذا تعرف؟" بل "ماذا تحمل من ورق؟".

    الناس يتهافتون على الشهادات لأنها تعطي "برستيج" أو وضعاً اجتماعياً، وليس طلباً للمعرفة. هذا الضغط الاجتماعي أجبر الحكومات على فتح جامعات ضعيفة وتسهيل الامتحانات لإرضاء الناس، مما أدى لظهور "خريجين بلا علم". المجتمع هنا لا يريد "علماً"، بل يريد "لقباً"، وهذا هو جوهر التخلف كبنية اجتماعية.

    3. دراسة حالة: أزمة التعلم في الدول النامية

    تشير تقارير البنك الدولي (2023) إلى أرقام مرعبة؛ في بعض الدول النامية، أكثر من 90% من الأطفال في سن العاشرة لا يستطيعون فهم نص بسيط. هؤلاء الأطفال مسجلون في المدارس (Schooling)، لكنهم لا يتعلمون (Learning).

    المشكلة ليست في "الوصول" للمدرسة، بل في "جودة" ما يحدث داخل الفصل. السياسات تركز على بناء المباني (تجهيز) وتهمل بناء العقول، مما ينتج جيلاً يمتلك مهارات القراءة والكتابة الأساسية فقط، دون أي قدرة على الإبداع أو المنافسة في سوق العمل العالمي.

    4. الخلاصة: هل هناك مخرج؟

    التخلف ليس قدراً، بل هو نتيجة تزاوج بين رغبة سياسية في السيطرة وثقافة اجتماعية تقدس المظاهر. إنتاج أفراد "نصف متعلمين" هو أخطر من الأمية الكاملة، لأن نصف المتعلم يظن أنه يعلم، بينما هو في الحقيقة يدور في ساقية التجهيل الممنهج.

    الحل يبدأ بتغيير تعريفنا للنجاح: النجاح ليس في الحصول على "الكرتونة" (الشهادة)، بل في اكتساب القدرة على التساؤل: "لماذا نتعلم؟ وكيف نفكر؟".


    ملاحظة: اعتمد هذا المقال على مفاهيم من تقرير إصلاح التعليم (AAC 2023) ودراسات حول الأجنوتولوجيا والضبط الاجتماعي.

    تعليقات