كيف نشرت الدراما التركية الثقافة الغربية في المجتمعات العربية

كيف نشرت الدراما التركية الثقافة الغربية في المجتمعات العربية
جدول المحتويات

    The Clash of Values: How Turkish Drama Reshaped Morals in the Arab Household?

    صراع القيم: هل المسلسلات التركية مجرد ترفيه أم "سم" في العسل؟

    هل سألت نفسك يوماً لماذا أصبحنا نتقبل في الشاشة ما نرفضه في الواقع؟ تخيل أن هناك "ضيفاً" يدخل بيتك كل يوم، يجلس مع أبنائك، ويبدأ بهدوء في تغيير قناعاتهم حول ما هو صح وما هو خطأ.. هذا الضيف هو الدراما التركية التي لم تعد مجرد "تسلية"، بل أداة قوية تعيد تشكيل وعينا الأخلاقي دون أن نشعر.

    أولاً: المنظور القيمي والديني (تطبيع المحرمات)

    تعمل الدراما التركية على ما يسمى "التطبيع" (Normalization) مع سلوكيات كانت تُعتبر خطوطاً حمراء في المجتمع العربي. من خلال تقديم مشاهد العري أو العلاقات غير الشرعية في إطار كوميدي أو رومانسي جذاب، يبدأ المشاهد في فقدان الحساسية تجاه هذه الأفعال.

    • يتم عرض الخيانة الزوجية كنوع من "البحث عن الحب الضائع"، مما يقلل من شناعة الفعل في نظر الجمهور.
    • المشاهد التي تتضمن استهلاك الكحول أو العلاقات العابرة تُقدم كجزء من حياة "الطبقة الراقية والمودرن"، مما يربط الانحلال الأخلاقي بالتقدم الاجتماعي.

    ثانياً: المنظور النفسي والاجتماعي (وهم الرومانسية الزائفة)

    الدراما التركية بارعة في استخدام "سيكولوجية العاطفة". فهي تضع أفعالاً غير أخلاقية في قوالب "رومانسية" تجعل المشاهد يتعاطف مع الشخصية المنحلة. هذا التأثير النفسي يسمى "التعلق بالشخصيات" (Character Attachment)، حيث يدافع المشاهد عن المرأة التي تخون زوجها لأن المسلسل أظهر الزوج بصورة "قاسية" أو "مملة".

    في دراسة حالة أجريت على نساء في السعودية، تبين أن الدراما التركية تؤثر بشكل مباشر على مواقفهم تجاه القيم الاجتماعية والثقافية. فبينما يراها البعض "هروباً من الواقع"، يمتص البعض الآخر قيمها التي قد تتعارض مع الأخلاق التقليدية.

    ثالثاً: القوة الناعمة والأجندة الثقافية

    لا يمكن فصل الفن عن السياسة. الدراما التركية تُستخدم كـ "قوة ناعمة" (Soft Power) لرسم صورة ذهنية معينة عن تركيا كدولة "علمانية حديثة" تجمع بين الشرق والغرب.

    • مصطلح أكاديمي - القوة الناعمة (Soft Power): هي القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام، وهو ما تفعله هذه المسلسلات تماماً.
    • مصطلح أكاديمي - الحب السائل (Liquid Love): مصطلح يشير إلى العلاقات الهشة وغير الملتزمة التي تروج لها الدراما الحديثة، حيث يتم استبدال الشريك بسهولة بمجرد ظهور مشاكل بسيطة.

    رابعاً: كيف تروج الدراما لـ "المرأة المنحلة"؟

    تحت غطاء "تمكين المرأة" (Women Empowerment)، تروج بعض المسلسلات لنموذج المرأة التي تتمرد على الحشمة والقيم الأسرية بدعوى "الحرية". يتم تصوير المرأة المحافظة غالباً كشخصية "قديمة" أو "مضطهدة"، بينما المرأة التي تتحرر من القيود الأخلاقية هي "القوية" و"المستقلة". هذا التزييف للمفاهيم يهدف إلى خلق فجوة بين الأجيال في الأسرة العربية.

    خامساً: التحول الرقمي والأخلاق في القرن الحادي والعشرين

    مع انتشار المنصات الرقمية، أصبح الوصول لهذه الدراما أسهل وأكثر خصوصية، مما يصعب عملية الرقابة الأسرية. التقنيات الحديثة تساهم في إعادة تشكيل الأطر الأخلاقية والقيم التقليدية مثل الثقة والصدق، مما يتطلب وعياً "رقمياً وأخلاقياً" جديداً لمواجهة هذا الغزو.

    توصيات ختامية:

    المشكلة ليست في الدراما كفن، بل في "الرسائل المبطنة" التي تمررها. نحن بحاجة إلى:

    1. تنمية الوعي النقدي لدى المشاهد العربي لتمييز الترفيه عن السموم الثقافية.
    2. دعم الإنتاج الدرامي العربي الذي يجمع بين الجودة الفنية والقيم الأخلاقية الأصيلة.
    3. التركيز على دور الأسرة في مناقشة ما يتم عرضه على الشاشة بدلاً من المنع المجرد.

    كلمة أخيرة: الشاشة التي في صالتك ليست مجرد نافذة على العالم، بل هي باب مفتوح يدخل منه من يشاء.. فاحذر من يدخل بيتك!

    تعليقات